مكانة المرأة اليمنية العظيمة في اليمن القديم

womanbustSouth Arabia alabaster bust of a woman,
1st century B.C.-1st century A.D.


مكانة المرأة اليمنية العظيمة في اليمن القديم

بقلم: حسني السيباني

لقد إرتبط إسم اليمن و تاريخه العريق بحضور و مشاركة دائمة و فعالة للمرأة اليمنية بشكلاً عام منذ 5 ألف سنة قبل الميلاد على أقل تقدير لنساء تلازمت أسمائهن بحقب من الإزدهار و العظمة من ” ملكة مملكة سبأ العظمى إلى شوف السبئية و من قبلها ألبها السبئية و طريفة الخير الحميرية و لميس بنت أسعد تبع الحميرية و برآت سيرة جاهلية ديمة من بيت رثدة القتبانية و صفنات الأبذلية الحميرية و أب صدوق القتبانية إلى الملكة أروى الصليحي و غيرهم الكثير و تتضح لنا مكانة المرأة و دورها الفعال في اليمن القديم من خلال النقوش القديمة و كذا ما ذكره المؤرخين و ما ذكرته الديانات السماوية و كذا أيضاً الأساطير و الحكايات .
_____________________________________________

 المكانة الإجتماعية للمرأة اليمنية قديماً

إن القول بأن مكانة و دور المرأة في المجتمع اليمني القديم كانت متميزة قول يحتاج إلى أدلة و شواهد و هي موجودة في نقوش مكتشفة في مواقع الآثار اليمنية و هي موجودة أيضا في كتب التاريخ التي تعرضت لتاريخ الجزيرة العربية أو اليمن بصورة خاصة في فترة ما قبل الإسلام إلا أن هذا التميز النوعي الذي نقصده لا يعنى المبالغة في حجم مكانة المرأة و دورها في مختلف مراحل التاريخ اليمني القديم و لا يعنى أنها متساوية الدور و المكانة في كل القبائل اليمنية أو الممالك و الدول و الدويلات المتعاقبة و إنما يعني هذا التميز النوعي أنها أي المرأة كانت في بعض الفترات أحسن حالة منها في جنوب الجزيرة العربية و قد تحدث ا.ف.ل. بيستون : في بحث نشرة عن المرأة في مملكة سبأ : و هو يتحدث عن ظاهرة الوأد في بعض القبائل العربية و أن أسبابة تكون إما من الفقر أو من خوفهم من سبيها في الحروب و ليس لأنهن كارثة في المجتمع الرجالي و أكد البحث أن وأد البنات لم يكن عاماً و شاملاً في كل القبائل اليمنية و قد بينت لنا النقوش الدور الذي تقلدته المرأة في عهدها سواء الإجتماعي أو الديني أو السياسي حيث تشير النقوش التي قدمت من قبل النساء أنفسهن و هي نقوش تتعلق بأمور دينية أو دنيوية كنقوش النذور و نقوش الخطيئة و التكفير و نقوش البناء و نقوش الصيد و إلى جانب ذلك دونت أسماؤهن على التماثيل و اللوحات الجنائزية و شواهد القبور .


ففي النقوش بعض المعلومات عن النظام الأسري في اليمن القديم حيث ذكرت المرأة بأنها : أخت و بنت و إمرأة و أم و زوجة و قرينة و رفيقة و أرملة و وريثة و وجدت نقوش تدل على تعدد الأزواج أي عدد من الرجال يتزوجون إمرأة واحدة و قد دلل على ذلك من خلال نصوص تتحدث عن ” ولد “لأكثر من أب و قد رفض أكثر المختصين وجود تعدد الأزواج في مثل هذه الحالات لأنهم إعتبروا الأبن في هذه الأحوال إبن لأحد الرجال أما بقية الرجال المذكورين فإعتبروهم أعماماً للولد أو أقرباء من جهة الوالد و معروف أن عبارة ” أباء أو أبناء ” تشير عادة في الكتابات السامية إلى الأجيال المختلفة و لا تعني بالضرورة الصلة الأبوية فعلاً .

و كذلك أفصحت لنا النقوش عن بعض أوضاع المرأة الإجتماعية و الدينية و السياسية في اليمن القديم حيث ذكرت المرأة بأنها هي جارية و خادمة و راعية و سيدة و كاهنة و ملكة و نائبة الملك في أمور إدارية و عسكرية أو مدبرة أمور قصر الملك أو بيت الملك و ما من شك بأن هؤلاء النساء التي جاء ذكرهن في النقوش اليمنية القديمة كان لهن شأن في مجتمعهن بل إن صاحبات هذه المناصب و من و صفن بها ذوات دور إجتماعي مرموق و بارز في مجتمعهن .

و تؤكد الكثير من الأبحاث أن اليمن تتميز بملامح حضارية عريقة و قديمة في التاريخ الإنساني و بالتالي كانت مكانة المرأة متميزة عن سائر المجتمعات في حضارات العالم القديم بالقوانين المكتشفة و الخاصة بالمرأة تدل على تقدم باهر حيث كفلت حق الملك و الوصاية على الأولاد و الحضانة و الملكية و البيع و الشراء و أن تستمتع بدخلها و أن ترث و أن تورث و أن تمتهن الكتابة و التجارة إلى غير ذلك من الحقوق و شواهد ذلك موجودة في النقوش و مكتشفة في مواقع الآثار فقد ورد في النقش ( 95 ) أن كاتب النقش يشكر الآلهة لأنها منحته عملاً ناجحاً منذ ذلك الوقت الذي أتى فيه إلى مدينة عمران ليقوم بخدمة سيدته و هذا دليل على أن سيدة العبد كانت تتمتع بمكانة مثل مكانة الرجل في الإمتلاك و ربما ورثة ذلك عن أبيها أو زوجها المتوفى و هو دليل على درجة الإستقلال التي كانت تتمتع بها المرأة كما إشتهرت بإنتاج و تجارة البخور و الطيب و الصمغ و العسل كذلك بتوافر معادن الذهب بالإضافة إلى المعادن الأخرى و الأحجار الكريمة إلى غير ذلك من المصنوعات و المزروعات التي كانت تقوم النساء بأغلبها ألم يكن الإعتماد عليها في ذلك كلياً خاصة و أن المرأة كانت تتولى جميع الشئون الإقتصادية في حالة غياب الزوج أو سفره أو موته و من ناحية أخرى فإن النساء في مجتمع سبأ كان في مقدورهن أن يشغلن و ظائف كبيرة أي المرأة آنذاك كانت تمارس من الأعمال ما يمارسه الرجل دون إستثناء لأنها فرد من القبيلة أو العشيرة لا فرق بينها و بين الرجل في إطار الواقع الإجتماعي و في تحمل المسؤولية و بدون أي نظرة دونية إليها من قبيلتها أو عشيرتها بإعتبارها أنثى و بدون أي كرة لوجودها كإمرأة كما كان لها الحق في الإمتلاك و السيادة و المساواة بين الرجل و المرأة .

كما قدم الدكتور العالم الأركيلوجي سرجي فرانتسوزوف – معهد الدراسات الشرقية – سانت بطرسبوغ – روسيا ورقة بعنوان « مرة أخرى منزلة المرأة في اليمن القديم » تتناول هذه الورقة منزلة المرأة الرفيع في العربية الجنوبية القديمة و التي تأسست على الإستقلال الإقتصادي لنساء العربية الجنوبية و نوه إلى معلومات جديدة هامة عن هذا الموضوع في نقش سبئي غير منشور إكتشفه كريستيان روبان في منطقة نهم سنة 1978م ، و سجله بالرمز ( mafray ) – النشاف 1و النقش يشير إلى حق المرأة المتزوجة التصرف بأموالها الخاصة من غير موافقة زوجها و إلى حقها في تقديم المساعدة المالية له حسب الظروف و هذا النقش يشابه النقش الآخر الذي أعاد ألفريد بيستون نشره ( ymn19 ) و إقترح شرحاً جديداً ل ( ymn19 ) النقش و هذا إن دل فإنما يدل على المساحة المرنة من الحقوق و الميزات التي كانت تتمتع بها المرأة اليمنية في الأمور الإقتصادية و كذا عدم التمييز بين الرجل و المرأة من النواحي الإقتصادية .
_____________________________________________

 الأوضاع الدينية للمرأة اليمنية قديماً

أما على الصعيد الديني فقد كان للمرأة أدوارها التي لا تنسى فقد كانت ديانة اليمنيين تقوم على أساس ثالوث من الكوكب فكانت الشمس هي الألهه الأم و كان القمر الأب و كان الإبن كوكب الزهرة و هذا الثالوث هو ( المقه ) و ( ذات حميم ) و ( عثتر ) الجدير بالذكر أن المرأة اليمنية شاركت في الحياة الدينية و كان هناك نوع من النساء مخصصات للأمور الدينية و أن المراسيم الدينية لم تكن إختيارية بل كانت تُنم عن التفاني و الإخلاص و التقوى فقد عملت المرأة في خدمة المعبد و كانت تعمل الأعمال المرضية للإله كما ثبت في النقوش أن المرأة قدمت النذور للآلهة في ظروف مختلفة و لأسباب متعددة منها : توسلاً لزيادة في الرزق و لإنجاب الأطفال و طلباً للشفاء و حمداً و شكراً للالهه كما قدمته كذلك تكفيراً عن العصيان و طلباً للغفران إلى غير ذلك .

إذاً فالمرأة عملت خادمة للمعبد و إرتقت إلى أن وصلت إلى درجة الكهانة العُليا و ربما عبدت و إتخذت إلهه ( تجسيداً رمزياً في الشمس ) و هنا تشابه في وضعها الديني في اليمن القديم و وضعها الديني في أكاد العراق و من النساء اليمنيات من ذكرتهن النقوش القديمة و كان لهن دور ديني في تلك المرحلة نذكر :

 شوف السبئية

و من قبلها ” ألبها ” ذكر النص أنها نصبت نفسها كمدافعة عن أخيها و عندما نجحت مساعيها سجلت ذلك في نص بمعبد أوام المعروف بمحرم بلقيس و أنها أهدت تمثالاً ذهبا للمعبود المقة شاكرة له أن هداها إلى أن بلغت سد حروان بمشكلة أخيها و أنها سعيدة بحججها المقنعة و حل المشكلة و يبدوا أنها كانت تملك من العلم و الحكمة ما مكنها من الدفاع و إنجاح مسعاها و تخليص أخيها من ورطته .

 طريفة بنت الخير الحميرية

فقد كانت كاهنة يمانية من المشهورات بالفصاحة و البلاغة تزوجت الملك عمرو بن ماء السماء الأزدي الكهلاني و قد قيل أنها تنبأت بإنهيار السد و ذكرت ذلك لزوجها فاستعد هو و قومه للهجرة و ما إن بدأت قوافلهم بالرحيل حتى إنهار السد و قد قيل أنها كانت عرافة زمانها و حكيمة عصرها .

 لميس بنت اسعد تبع

وقيل أنها ملكة كانت قبل بلقيس و قد كانت زوجة للملك مرشد بن مالك الصافح ذو ناعط من مملكة حمير وجد قبرها في زمن الحجاج بن يوسف هي و أختها مكتوب عليه ” هذه شمسه و لميس إبنتا تبع متنا و إننا نشهد أن لا اله إلا الله ” .

 برآت سيرة جاهلية ديمة من بيت رثدة

أو رثد إيل من جماعة شمر القتبانية و قد عثر على قاعدة تمثالها في دار هدّت لدى مدخل العاصمة تمنع و هو من البرونز و أرخ بعهد الملك ( ورأويل ) غيلان بن يهنم بن شهر يجل يهرجب ملك قتبان و الذي يحمل توقيته بمنتصف القرن الأول قبل ميلاد المسيح و يبدوا أنها كانت من كبريات كاهنات ” عم الجو “و وكيلة ” عمد باديمة ” و من المعلنات للنّبوات المنسوبة إلية في معبدة ( حسب زعمهم ) .

و النقوش مليئة بأسماء نساء قدمن قرابين جنباً إلى جنب مع الرجل و كانت لهن مكانة و أدوار مختلفة في الحياة الإجتماعية و الأدبية و السياسية في ذلك الوقت .

 صفنات الابذلية

إشتركت مع زوجها سعد كرب في تقديم تمثال برونزي للمقة شهرمان أب أو أم عساه أن يرشدها إلى آية تطمئنها على أنهما سوف يكسبان القضية القائمة بين الزوج و بين مولاة و لم تنسى صفنات أن تدعوا معبودها أن يهبها ولداً و يبشرها بنوتة .

أب صدوق

سيدة قديمة قتبانيه جاء ذكرها في نقش فيه : أب صدوق عزيم ” أنثى من أسرة  “وهب أيل من عشيرة حران و قبيلة ذرآن و أنها خصصت نذرها لمعبودها ابْناِي شيمان ” أي ابناي الحافظ ” في معبد رصف الكبير و أوكلت إلية أن يصون تمثالها فيه من أي فرد يووم تبديل موضعه .
_____________________________________________

 الوضع السياسي للمرأة اليمنية قديما

لم تتضح لنا دور المرأة سياسياً في اليمن القديم إلا عبر بعض النقوش وجدت تدل على بعض الأعمال التي تُعد من قبيل المشاركة السياسية و من تلك الكلمات كلمة ” مقتويت ” أي ” نائبة الملك في أمور إدارية وعسكرية أو ربما مدبرة أمور قصر الملك أو بيت الملك ” إسم لمنصب إداري تقلدته إمرأة يمنية في اليمن القديم و يرى الشيبة أن هذه الفئة من الناس لم تمارس أي نشاط إقتصادي و كذلك لم يرد ذكرها في نقوش و لكن كانت تقوم بالسفارات السلمية و تشترك في الحملات الحربية و كلمة ” ملكت ” = ” ملكة ” .

لم تكشف لنا النقوش اليمنية القديمة المنشورة حتى الآن عن ملكة حكمت أو تولت سلطة الحكم كملكة و قد تناولت بعض المصادر موضوع ملكة حكمت اليمن منها التوراة و الإنجيل و القرآن الكريم ثم المصادر العربية و لربما تكشف لنا الآثار المطمورة تحت الرمال مستقبلاً عن قصة هذه الملكة و قد ذُكرت نساء في النقوش كان لهن دور سياسي منهن : –

 أسيلم

و قد وجد في نقش أحد المعابد أنها ذات البيتين أي صاحبة البيتين أو المنتمين إلى المعبدين : نفعان و يافع و ربما بمعنى المشرفة عليهما و وصيفة الحاكم شارح بن همدان أهدت المعبود عثتر بعل بنا تمثالين أو صنمين من العشور التي تعشرها من أجله أو باسمة وفاء لمقامة و سعده .
_____________________________________________

في النهاية يتضح لنا أن للمرأة اليمنية بشكلاً عام لها مكانة عظيمة و رفيعة و متميزة في المجتمع اليمني القديم ككل حتى يومنا هذا فقد كانت ملكة و أميرة و كاهنة و تاجرة و طبيبة و محاربة و ملتزمة بأمور بيتها فهي نصف المجتمع و عاموده الراكن هي و الرجل .

Contributed by Dr. Mohamed Gerhoum