نقوش هندسية مستديرة

birka1

أحتاج اليمني قديما إلى تجميع مياه الغيول الشحيحة في خزانات كبيرة لإستخدامها في كميات كافية لري الأراضي الزراعية.الحل المناسب تشييد خزانات لتجميع مياه الغيل داخ الخزانات خلال فترة زمنية معينة لاتزيد عن اليوم والليلة .

الفكرة موجودة … لكن التنفيذ الهندسي يعتبر مشكلة في أرض كلها تربه طينية منتفخة وعمقها كبير .

لا شيء يعيق العقل اليمني القديم فلابد من إيجاد حلول لتشييد مثل هذه الخزانات في أرض صخرية أو طينية لا فرق في ذلك.

أولا حساب كمية الغيل المتدفق من النبع الممكن تجميعها خلال فترة زمنية محددة بعد تحديد حاجة الأراضي الزراعية في محيط قريب من موقع الغيل لغرض تحديد حجم الخزان المطلوب مستقبلا … الدراسة الإقتصادية قد تمت بدقة ليأتي دور التنفيذ .

birka2

في مكان قريب من نبع الغيل ليس ببعيد عن الأراضي الزراعية المستهدفة تم إختيار المكان المناسب لتشييد الخزان … أولا يتم تحديد قطر دائرة فتحة الخزان العلوية بادوات بسيطة جدا بعد حساب حجم الخزان ليبدأ العمال الحفر داخل الدائرة تحت نظر مشرف خبير بهذا العمل يحدد عمق الحفر المطلوب بما لايزيد عن ثلث إرتفاع الخزان المستقبلي وبعد رفع الطين من داخل حلقة الخزان الأولى يقوم خبير التشييد بتشكيل الحلقة الثانية بارتداد من نهاية الحفر مسافة محسوبة سلفا تكفي لبناء الجدار الساند مع ترك منطقة حماية كافية بينه وبين الجدار للحلقة التالية ، وهذا عملا هندسيا غاية في الإبداع والذكاء فلقد تم التخلص من مشكلة كبيرة وهي ضخامة بناء الجدار الساند الواحد بعمق كبير من الأسفل إلى الاعلاء وتم جزئته إلى ثلاثة أجزاء قليلة الارتفاع قصيرة القامة مع ترك فواصل حلقية تفصل قاعدة الجدار العلوي عن نهاية رأس الجدار السفلي لإبعاد ثقل وضغط الجدار العلوي المؤثر بزاوية 45درجة عن الجدار الأسفل وهذا مهم جدا للفصل بين كل جدار وجدار ، وهكذا تتوالى حلقات الحفر بنفس النظام والترتيب وصولا إلى قاع الخزان السفلية .

بعد إكمال أعمال الحفر وتنظيفه من المخلفات تبداء أعمال البناء والتشييد للارضيات والجدران ويبداء العمل برصف الأرضية الطينية الصلبة بطبقة سميكة من (الصلل) وهي أحجار بلق مختارة بعرض وطول قد يصل إلى الذراع وتدعيم الفواصل بينها بمادة القضاض يليها بناء أول جدار ساند غير سميك من أحجار البازلت الأسود أو الجرانيت القوي وتدعيم الفواصل فيما بينها بطبقة من القضاض وصولا إلى حافة أول الحلقات التي ترصف بطبقة من الصلل مثل قاع الخزان وربطها جيدا برأس أول جدار ساند وقاعدة ثاني جدار ساند … ويستمر العمل بنفس الطريقة وصولا إلى أخر حلقة وأخر جدار ساند ورفعه قليلا عن منسوب الأرض الطبيعية بمقدار امن للبشر والحيوان من خطر السقوط في الخزان .

بعد الإنتهاء من تشييد الخزان بهذه الطريقة قد يحتاج المصمم إلى لياسة الجدران والارضيات بطبقة من القضاض وقد لا يحتاج إلى ذلك لأسباب تعود إلى تقديرات نفاذ المياه بين مسامات أحجار الجدران وارضياته …. يبقى فقط ربط الخزان بساقية صغيرة لجر مياه الغيل إليه وساقية عريضة لإيصال المياه منه إلى المزارع … اما فتحة خروج المياه من الخزان إلى الساقية الرئيسية ففيها إبداع كبير ذكرناه في مقالات سابقة بالتفصيل .

في واقع الأمر أستطاع الأجداد حل الكثير من المشاكل الهندسية دفعة واحدة بأفكار بسيطة ساعدت على تقليل تكاليف التشييد ، ولا يمكن لهذه الحلول أن تأتي دون دراية مسبقة بالمشكله الهندسية مما يعني وجود تجارب قامت على دراسات تعاقبتها الأجيال بالتعلم للمهنة عبر ممارسة العمل مع ذوي الخبرة الطويلة .

مثلا لو طلب من سكان قرية تمتهن الزراعة في يومنا هذا تشييد خزان مماثل وتزويدهم بالمال دون منحهم أي مخططات أو أفكار للعمل فمن المؤكد أنهم سيرتكبون ألف خطاء وخطاء هندسي وسوف يظل عملهم دائم المشاكل الفنية اليومية.

مجرد مقارنة بما كان عليه الأجداد من دراية وتفكير ذاتي في البناء والتشييد وما هو عليه جيل اليوم …. !!

من د / صالح علي السحيقي